الفجوة التكنولوجية.. كيف يعمق التحول الرقمي عدم المساواة وتراجع العدالة الاجتماعية عالمياً؟
الفجوة التكنولوجية.. كيف يعمق التحول الرقمي عدم المساواة وتراجع العدالة الاجتماعية عالمياً؟
في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بوتيرة غير مسبوقة، تتسع الفجوة الرقمية بين الدول والمجتمعات بشكل يثير القلق، مهددة بتكريس أنماط جديدة من عدم المساواة في سوق العمل والحياة الاقتصادية، فبينما تستثمر دول مرتفعة الدخل بكثافة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، تجد دول منخفضة الدخل نفسها تكافح للحاق بالركب، وسط بنى تحتية هشة ونقص في المهارات والموارد، وهذا التفاوت لم يعد مسألة تقنية فحسب، بل تحولا عميقا يمس فرص العمل والعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام لمنظمة العمل الدولية جيلبرت هونجبو، خلال جلسة حوارية الثلاثاء ضمن أعمال اليوم الثاني من المؤتمر الدولي لسوق العمل 2026، أهمية تبني سياسات شاملة تراعي اختلاف مستويات الجاهزية بين الدول، وحذر من اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول مرتفعة الدخل والدول منخفضة الدخل، وكذلك داخل الدولة الواحدة بين المناطق المختلفة، معتبرا أن هذا التفاوت قد يؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة في أسواق العمل، وفق وكالة الأنباء السعودية "واس".
الذكاء الاصطناعي بين القلق والأمل
شدد هونجبو على أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية المخاطر، بل باعتباره أداة يمكن أن تسهم في توسيع نطاق الشمول إذا ما أُحسن توظيفها، وأشار إلى أن تقنيات مثل تحويل الكلام إلى نص، وأدوات الدعم الرقمي، يمكن أن تفتح آفاقا جديدة أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، وتساعدهم على الاندماج بشكل أفضل في سوق العمل، وهو ما يعكس وجها إنسانيا للتكنولوجيا غالبا ما يضيع وسط النقاشات التقنية البحتة.
ومع ذلك، لم يُخفِ هونجبو قلقه من التأثيرات الواسعة للذكاء الاصطناعي على الوظائف، مستندا إلى بيانات صادرة عن منظمة العمل الدولية تظهر أن وظيفة واحدة من كل 4 وظائف معرّضة للتأثر بهذه التقنيات، وهذا التأثير لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف بالكامل، لكنه يشير إلى تغير طبيعتها ومتطلبات المهارات المرتبطة بها، ما يضع ملايين العمال أمام تحديات غير مسبوقة.
سوق عمل يعاد تشكيله
يرى خبراء أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يعيدان رسم خريطة سوق العمل العالمي، حيث تتزايد الحاجة إلى مهارات جديدة، بينما تتراجع أهمية بعض الوظائف التقليدية، وفي هذا الإطار، أوضح هونجبو أن جهود رفع المهارات وإعادة التأهيل المهني تشهد تقدما في عدد من الدول، لكنه أكد أن هذه الجهود لا تزال غير كافية مقارنة بسرعة التغير التكنولوجي، ودعا الحكومات إلى زيادة الاستثمارات في برامج رفع المهارات وإعادة التأهيل لدعم تكيّف القوى العاملة مع التحولات التقنية المتسارعة.
وأكد أن مهارات التواصل والقدرات التفاعلية وحل المشكلات ستظل من المهارات الجوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات التقنية.. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع تعويض القدرات الإنسانية المرتبطة بالإبداع والتفكير النقدي والتفاعل الاجتماعي، وهي عناصر أساسية للحفاظ على توازن سوق العمل.
دور الشراكة والحوار الاجتماعي
سلّط هونجبو الضوء على الدور المحوري لمنظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال في تشكيل انتقال رقمي مستدام، مشددا على أن هذا التحول لا ينبغي أن يتم على حساب العاملين أو الفئات الأكثر هشاشة، وأكد أن الحوار الاجتماعي يظل عنصرا أساسيا لضمان توزيع عادل لمكاسب التكنولوجيا، وحماية حقوق العمال، ودعم استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من تطورات الذكاء الاصطناعي.
ويرى مراقبون أن غياب هذا الحوار قد يؤدي إلى تعميق فجوات الدخل وزيادة التوترات الاجتماعية، خاصة في الدول التي تعاني أصلا من ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، ومن هنا، تبرز أهمية إشراك جميع الأطراف في صياغة سياسات رقمية عادلة وشاملة.
دول تبحث عن الإرشاد والدعم
أشار المدير العام لمنظمة العمل الدولية إلى تزايد طلبات الدول الأعضاء للحصول على إرشادات بشأن توظيف الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل، ولفت إلى أن العديد من هذه الدول ترى في التكنولوجيا فرصة لدعم أهداف الحد من الفقر، وتدريب الشباب الداخلين حديثا إلى سوق العمل، وتعزيز الإنتاجية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب مرونة في السياسات وتكاملا بينها، إلى جانب استثمار مستدام في البنية التحتية التقنية والتعليمية.
وأكد أن غياب هذه العناصر قد يؤدي إلى تخلف دول بأكملها عن ركب التحول الرقمي، ما يعمق الفجوة بينها وبين الدول الأكثر تقدما، ويجعل من الصعب تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
الإنسان في قلب التحول الرقمي
لم يغفل هونجبو البعد الإنساني للتحول التكنولوجي، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، من خلال أتمتة بعض المهام الروتينية وتوفير مرونة أكبر في أنماط العمل، ودعا جميع أصحاب المصلحة إلى التركيز على تعزيز هذه الفوائد بما يخدم الإنسان والعمل معا، بدلا من تحويل التكنولوجيا إلى أداة ضغط إضافية على العمال.
ويؤكد مختصون أن مستقبل العمل لا ينبغي أن يُقاس فقط بمؤشرات الإنتاجية والنمو، بل أيضا بمدى قدرة المجتمعات على ضمان كرامة العاملين وحمايتهم من الإقصاء الرقمي.
تحديات داخل الدولة الواحدة
لا تقتصر الفجوة التكنولوجية على التفاوت بين الدول، بل تمتد أيضا داخل الدولة الواحدة، حيث تعاني مناطق ريفية أو فقيرة من ضعف البنية التحتية الرقمية مقارنة بالمراكز الحضرية، وهذا التفاوت الداخلي يخلق فرصا غير متكافئة في التعليم والعمل، ويحد من قدرة فئات واسعة على الاستفادة من الاقتصاد الرقمي، ما يزيد من الشعور بالتهميش.
ويرى خبراء التنمية أن معالجة هذه الفجوة تتطلب سياسات وطنية تستهدف توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت عالي الجودة، وتوفير برامج تدريب رقمية موجهة للفئات الأقل حظا، مع التركيز على النساء والشباب.
برز مفهوم الفجوة التكنولوجية بقوة خلال العقدين الأخيرين مع تسارع التحول الرقمي عالميا، لكنه اكتسب بعدا أكثر إلحاحا مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتشير تقارير دولية إلى أن الدول مرتفعة الدخل تستحوذ على الحصة الأكبر من الاستثمارات في البحث والتطوير والبنية التحتية الرقمية، بينما تواجه الدول منخفضة الدخل تحديات تتعلق بضعف التمويل ونقص الكفاءات، وفي هذا السياق، تلعب منظمة العمل الدولية دورا محوريا في دعم الدول الأعضاء من خلال تقديم الإرشادات والسياسات التي تركز على العدالة الاجتماعية والعمل اللائق، ومع استمرار التحول الرقمي، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان العالم قادرا على تضييق هذه الفجوة، أم أن التكنولوجيا ستصبح عاملا جديدا يعمق الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية بين الشعوب.










